أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

265

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

مسندا إلى ضمير غائب يراد به النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أي : ولا يحسبن النبيّ عليه السّلام ، فعلى هذا يكون « الَّذِينَ كَفَرُوا » مفعولا أول ، وأما الثاني فسيأتي الكلام عليه في قراءة حمزة ، فتتّحد هذه القراءة على هذا الوجه مع قراءة حمزة - رحمه اللّه - ، وسيأتي تخريجها . و « ما » يجوز أن تكون موصولة اسمية ، فيكون العائد محذوفا لاستكمال الشروط ، أي : أنّ الذي نمليه ، وأن تكون مصدرية أي : إملاءنا ، وهي اسم « أنّ » و « خَيْرٌ » خبرها . قال أبو البقاء « ولا يجوز أن تكون كافة ولا زائدة ، إذ لو كانت كذلك لانتصب « خَيْرٌ » ب « نُمْلِي » ، واحتاجت « أنّ » إلى خير إذا كانت « ما » زائدة ، أو قدّر الفعل يليها ، وكلاهما ممتنع » . انتهى . وهو من الواضحات ، وكتبوا « أَنَّما » في الموضعين متصلة ، وكان من حقّ الأولى الفصل لأنها موصولة . وأمّا قراءة حمزة فاضطربت فيها أقوال الناس وتخاريجهم حتى إنه نقل عن أبي حاتم أنها لحن . قال النحاس : « وتابعه على ذلك خلق كثير » وهذا لا يلتفت إليه لتواترها . وفي تخريجها ستة أوجه : أحدها : أن يكون فاعل « تحسبنّ » ضمير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، و « الَّذِينَ كَفَرُوا » مفعول أول ، و « أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ » مفعول ثان . ولا بدّ على هذا التخريج من حذف مضاف : إمّا من الأول تقديره : « ولا تحسبنّ شأن الذين كفروا ، وإمّا من الثاني تقديره : « أصحاب أنّ إملاءنا خير لهم » ، وإنما احتجنا إلى هذا التأويل ؛ لأنّ « أَنَّما نُمْلِي » بتأويل مصدر ، والمصدر معنى من المعاني لا يصدق على الذين كفروا ، والمفعول الثاني في هذا الباب هو الأول في المعنى . الثاني : أن يكون « أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ » بدل من « الَّذِينَ كَفَرُوا » وإلى هذا ذهب الكسائي والفراء وتبعهما جماعة منهم الزمخشري والزجاج وابن الباذش . قال الكسائي والفراء : « وجه هذه القراءة التكرير والتأكيد ، والتقدير : ولا تحسبنّ الذين كفروا ولا تحسبنّ أنما نملي » . قال الفراء : « ومثله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ « 1 » أي : ما ينظرون إلّا أن تأتيهم » انتهى . وقد ردّ بعضهم قول الكسائي والفراء بأنّ حذف المفعول الثاني في هذه الأفعال لا يجوز عند أحد ، وهذا الردّ ليس بشيء ، لأنّ الممنوع إنما هو حذف الاقتصار ، وقد تقدّم تحقيق ذلك . وقال ابن الباذش : « ويكون المفعول الثاني حذف لدلالة الكلام عليه ، ويكون التقدير : « ولا تحسبن الذين كفروا خيرية إملائنا لهم ثابتة أو واقعة » . وقال الزمخشري : « فإن قلت : كيف صحّ مجيء البدل ولم يذكر إلا أحد المفعولين ، ولا يجوز الاقتصار من فعل الحسبان على مفعول واحد ؟ قلت : صحّ ذلك من حيث إنّ التعويل على البدل ، والمبدل منه في حكم المنحّى ، ألا تراك تقول : « جعلت متاعك بعضه فوق بعض » مع امتناع سكوتك على « متاع » . وهو البدل بدل اشتمال - وهو الظاهر - أو بدل كل من كل فيكون على حذف مضاف تقديره : « ولا تحسبنّ إملاء الذين » فحذف « إملاء » وأبدل منه « أنما نملي » ؟ قولان مشهوران . الثالث : - وهو أغربها - أن يكون « الَّذِينَ » فاعلا ب « تحسبنّ » على تأويل أن تكون التاء في الفعل للتأنيث كقوله : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ « 2 » أي : « ولا تحسبنّ القوم الذين كفروا » و « الَّذِينَ » وصف « القوم » كقوله : « وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا » « 3 » فعلى هذا تتّحد هذه القراءة مع قراءة الغيبة ، وتخريجها كتخريجها ، ذكر ذلك أبو القاسم الكرماني « 4 » في تفسيره المسمى : ب « اللباب » . وفيه نظر من حيث إنّ « الذين » جار مجرى جمع المذكر السالم ، والجمع المذكر

--> ( 1 ) سورة الزخرف ، آية ( 66 ) . ( 2 ) سورة الشعراء ، آية ( 105 ) . ( 3 ) سورة الأعراف ، آية ( 137 ) . ( 4 ) محمود بن حمزة بن نصر أبو القاسم الكرماني المعروف بتاج -